مجد الدين ابن الأثير

96

المختار من مناقب الأخيار

رجل من أهل الكوفة ، فوقع في أبي حنيفة . فقال له عبد اللّه : ويحك ، أتقع في رجل صلّى خمسا وأربعين سنة خمس صلوات على وضوء « 1 » واحد ؟ وكان يجمع القرآن في ركعتين في ليلة « 2 » . وقال أبو يوسف : بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمع رجلا يقول لرجل : هذا أبو حنيفة لا ينام اللّيل . فقال أبو حنيفة : واللّه ، لا يتحدّث عنّي بما لا أفعل . فكان يحيي اللّيل صلاة ، ودعاء ، وتضرّعا « 2 » . وقال في رواية : أراني عند الناس خلاف ما أنا عند اللّه ، لا توسّدت فراشا حتى ألقى اللّه « 2 » . وقال مسعر بن كدام : أتيت أبا حنيفة في مسجده ، فرأيته يصلّي الغداة ثم يجلس للنّاس في العلم إلى أن يصلّي الظّهر ، ثم يجلس إلى العصر فإذا صلّى العصر جلس إلى المغرب ، فإذا صلّى المغرب جلس إلى أن يصلّي العشاء . فقلت في نفسي : هذا الرّجل في هذا الشّغل متّى يتفرّغ للعبادة ؟ لأتعاهدنّه الليلة ، فلمّا هدأ الناس خرج إلى المسجد ، فانتصب للصلاة إلى أن طلع الفجر ، ودخل منزله ، فلبس ثيابه ، وخرج إلى المسجد ، وصلّى الغداة ، وجلس للنّاس إلى الظّهر ، ثم إلى العصر ، ثم إلى المغرب ، ثم إلى العشاء . فقلت في نفسي : إنّ الرجل قد تنشّط الليلة ، لأتعاهدنّه الليلة ، فتعاهدته ، فلمّا هدأ الناس خرج فانتصب للصلاة ، وفعل كفعله في ليلته الأولى « 3 » ، فلمّا أصبح خرج إلى الصلاة ، وفعل كفعله في يومه ، حتى إذا صلّى العشاء ، قلت في نفسي : إنّ الرجل لينشط الليلة والليلة ، لأتعاهدنّه الليلة . ففعل كفعلته في ليلته . فلمّا أصبح جلس كذلك . فقلت في نفسي : لألزمنّه إلى أن يموت أو أموت . فلازمته في مسجده . قال ابن أبي معاذ : فبلغني أنّ مسعرا مات في مسجد أبي حنيفة في سجوده « 4 » .

--> ( 1 ) في ( ب ) : بوضوء . ( 2 ) تاريخ بغداد 13 / 355 . ( 3 ) في ( ب ) : وفعل كفعلته الأولى . ( 4 ) تاريخ بغداد 13 / 356 .